بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين نهج البلاغة ليس مجرد كتابٍ في الوعظ أو البلاغة، بل هو صورةٌ ناصعةٌ للفكر الإسلامي في أسمى تجلّياته، ومرآةٌ صافيةٌ تعكس عمق مدرسة أهل البيت عليهم السلام في فهم التوحيد والإنسان والكون. إنه كتابٌ يجمع بين خطبٍ تُظهر مقام الإمام علي عليه السلام بوصفه الامتداد الأتمّ لعلم النبوة ونورها، ورسائل تكشف دقة رؤيته في العدل والحكم، وحِكَمٍ تُبرز صفاء روحه وزهده ونفاذ بصيرته النورانية. يقدّم هذا السفر الخالد نسقًا معرفيًا متكاملًا يقوم على توحيدٍ خالصٍ يرفع الإنسان إلى معارج القرب الإلهي، وعدلٍ يزن به الإمام حركة الحياة والأحياء، ورحمةٍ تُربّي القلوب على الوعي بالنفس وبالمجتمع وبالخالق جلّ وعلا. وفيه تتوازن الفكرة الفلسفية العميقة مع البيان البليغ المُعجز، فتولد منه مدرسةٌ شاملةٌ في الأخلاق والسياسة والاجتماع والروحانية، لا تقف عند حدود زمانها بل تتجاوزها إلى كل عصر، وتتخطّى حدود المكان لتعانق كل إنسانٍ باحثٍ عن الحقيقة. إن نهج البلاغة شاهدٌ حيٌّ على مقام الإمام علي عليه السلام الذي جمع بين إمامة الدين وقيادة العقل وهداية القلب؛ فهو في هذا الكتاب المبارك يحدّث القارئ بمنطقٍ يفتح أبواب المعرفة على مصاريعها، وبحكمةٍ تُحيي الضمير وتُنير الوجدان، وببيانٍ يعجز عنه البلغاء والفصحاء، حتى غدا أثرًا خالدًا يربط بين السماء والأرض، ويصل العبد بخالقه، ويجعل من حياة أمير المؤمنين عليه السلام نموذجًا مُلهمًا يُضيء دروب الباحثين والمفكرين والعارفين والروحانيين على حدّ سواء. كما أنَّه يُعدُّ وثيقةً تاريخيةً ناطقةً بتضييع حقِّ الله تعالى وحقِّ الأمة، فضلاً عن حق أمير المؤمنين عليه السلام، حين يشهد القارئ المنصف أنَّ صاحب هذا الفكر الإلهي المتكامل في شؤون الدين والدنيا قد أُقصي عن موضعه الطبيعي الذي نصّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، فوقع الناسُ من بعد ذلك في تيهٍ اضطرب فيه أولو البصائر، فضلاً عن ضعيف البصيرة، حتى صدعت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام بالحق مخاطبةً نساء الأنصار بقولها الخالد: "وَيْحَهُمْ أَنَّى زَحْزَحُوهَا عَنْ رَوَاسِي الرِّسَالَةِ، وَقَوَاعِدِ النُّبُوَّةِ، وَمَهْبِطِ الوَحْيِ الأَمِينِ، وَالطَّبِينِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، أَلَا ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ". ومن هذا المنطلق الشريف، فإنّنا في قسم نهج البلاغة والتربية الإسلامية بجامعة الزهراء عليها السلام قد أخذنا على عاتقنا، بكل تواضعٍ وشرف، أن نعمل بجدٍّ وإخلاصٍ وعشقٍ لإحياء تراث أمير المؤمنين عليه السلام، من خلال الدراسة المعمّقة لفكره النوراني الذي دوّنه الشريف الرضي قدّس سره في هذا السفر الخالد، والكشف عن معالمه العقائدية والفكرية والأخلاقية والإنسانية، وتوظيفها في بناء الإنسان المؤمن الواعي القادر على حمل رسالة الإسلام الأصيل. نسأل الله تعالى أن يوفّقنا، ويأخذ بأيدينا وأيدي جميع العاملين المخلصين في هذا الطريق المبارك، لما فيه الخير والصلاح، وخدمة العلم والدين، وإعلاء كلمة الحق، ونشر تعاليم أهل البيت عليهم السلام الذين هم سفينة النجاة ومصابيح الهدى.
وفقكم الله جميعاً، ونسأل الله أن يجعل قسمنا منارة للعلم والفضيلة.